فصل: تفسير الآيات رقم (112 - 116)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏62 - 67‏]‏

‏{‏وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ‏}‏

يقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا‏:‏ أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، أي‏:‏ إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ‏}‏ يعني‏:‏ كتاب الأعمال، ‏{‏وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين‏.‏ ثم قال منكرًا على الكفار والمشركين من قريش‏:‏ ‏{‏بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ‏}‏ أي‏:‏ غفلة وضلالة ‏{‏مِنْ هَذَا‏}‏ أي‏:‏ القرآن الذي أنزله ‏[‏الله تعالى‏]‏ على رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ‏}‏‏:‏ قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ أَعْمَالٌ‏}‏ أي‏:‏ سيئة من دون ذلك، يعني‏:‏ الشرك، ‏{‏هُمْ لَهَا عَامِلُونَ‏}‏ قال‏:‏ لا بد أن يعملوها‏.‏ كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد‏.‏

وقال آخرون‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب‏.‏ ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏ وهو ظاهر قوي حسن‏.‏ وقد قدمنا في حديث ابن مسعود‏:‏ ‏"‏فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا- عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم ‏{‏إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا‏.‏ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا‏.‏ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 11-13‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 3‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا نجيركم مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتُّم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ لزم الأمر ووجب العذاب‏.‏

ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ‏}‏ أي‏:‏ إذا دعيتم أبيتم، وإن طُلبتم امتنعتم؛ ‏{‏ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 12‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ‏}‏‏:‏ في تفسيره قولان، أحدهما‏:‏ أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في ‏{‏بِهِ‏}‏ فيه ثلاثة أقوال‏:‏

أحدهما ‏:‏ أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهُجْر من الكلام‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام‏:‏ ‏"‏إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة‏"‏ إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون‏.‏ وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بقوله‏:‏ ‏{‏مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا بهم، كما قال النسائي في التفسير من سننه‏:‏

أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ‏}‏، فقال‏:‏ مستكبرين بالبيت، يقولون‏:‏ نحن أهله، ‏{‏سَامِرًا‏}‏ قال‏:‏ يتكبرون ‏[‏ويسمرون فيه، ولا‏]‏ يعمرونه، ويهجرونه‏.‏ وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بما ذا حاصله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68 - 75‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏

يقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما وآباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عنهم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ‏}‏ إذًا والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك‏.‏

ثم قال منكرا على الكافرين من قريش‏:‏ ‏{‏أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ أَفَهُمْ لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم، أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه‏؟‏ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، للنجاشي ملك الحبشة‏:‏ أيها الملك، إن الله بعث إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته‏.‏ وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقوَّل القرآن، أي‏:‏ افتراه من عنده، أو أن به جنونا لا يدري ما يقول‏.‏ وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن، فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يُطاق ولا يُدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ‏}‏ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي‏:‏ في حال كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له‏:‏ ‏"‏أسلم‏"‏ فقال الرجل‏:‏ إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره‏.‏ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وإن كنت كارها‏"‏‏.‏ وذُكِر لنا أنه لقي رجلا فقال له‏:‏ ‏"‏أسلم‏"‏ فَتَصَعَّده ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله‏:‏ ‏"‏أرأيت لو كنتَ في طريق وَعْر وَعْث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت متبعه ‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏فوالذي نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك لو دعيت إليه‏"‏‏.‏ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له‏:‏ ‏"‏أسلم‏"‏ فَتَصَعَّدَه ذلك، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أرأيت فتييك، أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا ائتمنته خانك‏؟‏‏"‏‏.‏ قال‏:‏ بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كذاكم أنتم عند ربكم‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ‏}‏ قال مجاهد، وأبو صالح والسدي‏:‏ الحق هو الله عز وجل، والمراد‏:‏ لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك ‏{‏لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ‏}‏ وَمَنْ فِيهِنَّ‏}‏ أي‏:‏ لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 31، 32‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏100‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 53‏]‏، ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وتدبيره لخلقه تعالى وتقدس، فلا إله غيره، ولا رب سواه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، ‏{‏فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا‏}‏‏:‏ قال الحسن‏:‏ أجرا‏.‏ وقال قتادة‏:‏ جعلا ‏{‏فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ‏}‏ أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 47‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 86‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 23‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 20، 21‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏.‏ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ‏}‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه -فيما يرى النائم- ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه‏:‏ اضرب مَثَل هذا ومثل أمته‏.‏ فقال‏:‏ إن مَثَلَه ومثل أمته، كمثل قوم سُفْر انتهوا إلى رأس مَفَازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينا هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال‏:‏ أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني‏؟‏ فقالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فانطلق، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم‏:‏ ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني‏؟‏ قالوا ‏:‏ بلى، قال‏:‏ فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني‏.‏ قال‏:‏ فقالت طائفة‏:‏ صدق والله، لنتبعه‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ قد رضينا بهذا نقيم عليه‏.‏

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي‏:‏ حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إني ممسك بحجزكم‏:‏ هَلُمَّ عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تَقَاحُم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فَرَطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيُذْهَب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين‏:‏ أي رب، قومي، أي رب أمتي‏.‏فيقال‏:‏ يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي‏:‏ يا محمد، يا محمد‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا‏.‏ قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رُغَاء، ينادي‏:‏ يا محمد، يا محمد‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة، فينادي‏:‏ يا محمد، يا محمد، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم، ينادي‏:‏ يا محمد، يا محمد‏:‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا قد بلغت‏"‏‏.‏

وقال علي بن المديني‏:‏ هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي‏.‏

قلت‏:‏ بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين‏:‏ صالح‏.‏ ووثقه النسائي وابن حبان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ لعادلون جائرون منحرفون‏.‏ تقول العرب‏:‏ نكب فلان عن الطريق‏:‏ إذا زاغ عنها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏‏:‏ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أراح عللهم وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 23‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.‏ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏.‏ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 27-29‏]‏، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، لو كان كيف يكون‏.‏

‏[‏و‏]‏ قال الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ كل ما فيه ‏"‏لو‏"‏، فهو مما لا يكون أبدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76 - 83‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ ابتليناهم بالمصائب والشدائد، ‏{‏فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ‏}‏ أي‏:‏ فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغيهم‏.‏ ‏{‏فَمَا اسْتَكَانُوا‏}‏ أي‏:‏ ما خشعوا، ‏{‏وَمَا يَتَضَرَّعُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما دعوا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 43‏]‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي ابن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد -يعني‏:‏ النحوي- عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال‏:‏ جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني‏:‏ الوبر والدم- فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ‏}‏

وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به ‏.‏ وأصل هذا الحديث في الصحيحين‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال‏:‏ ‏"‏اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف‏"‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان، عن وهب بن عمر بن كيسان قال‏:‏ حُبِس وهب بن مُنَبِّه، فقال له رجل من الأبناء‏:‏ ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله‏؟‏ فقال وهب‏:‏ نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ‏}‏ قال‏:‏ وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له‏:‏ ما هذا الصوم يا أبا عبد الله‏؟‏ قال‏:‏ أَحَدَث لنا فأحدثنا‏.‏ يعني‏:‏ أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ‏}‏ أي‏:‏ حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبْلَسُوا من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم‏.‏

ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ‏}‏ أي‏:‏ وما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 103‏]‏‏.‏

ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر، في بَرْئة الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا، ولا ذكرا ولا أنثى، ولا جليلا ولا حقيرا، إلا أعاده كما بدأه؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ‏}‏ أي‏:‏ يحيي الرمم ويميت الأمم، ‏{‏وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ‏}‏ أي‏:‏ وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 40‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم، الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء‏.‏

ثم قال مخبرا عن منكري البعث، الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين‏:‏ ‏{‏بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ‏.‏ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏}‏ يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى، ‏{‏لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ‏}‏ يعنون‏:‏ ‏[‏أن‏]‏ الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلاقهم‏.‏ وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله تعالى إخبارا عنهم‏:‏ ‏{‏أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً‏.‏ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ‏.‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ‏.‏ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 11-14‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‏.‏ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 77-79‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84 - 90‏]‏

‏{‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏

يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون شيئًا، ولا يستبدّون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر صنوف المخلوقات ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏.‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ‏{‏قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ لا تذكرون‏]‏ أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره‏.‏

‏{‏قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ أي‏:‏ من هو خالق العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النيّرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني‏:‏ الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته هكذا‏"‏ وأشار بيده مثل القبة‏.‏

وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏"‏ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة‏"‏‏.‏

ولهذا قال بعض السلف‏:‏ إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، ‏[‏وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة‏]‏‏.‏

وقال الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ إنما سمي عرشًا لارتفاعه‏.‏

وقال الأعمش عن كعب الأحبار‏:‏ إن السموات والأرض في العرش، كالقنديل المعلق بين السماء والأرض‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فَلاة‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الدُّهني ، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ العرش لا يقدر أحد قدره‏.‏ وفي رواية‏:‏ إلا الله عز وجل‏.‏ وقال بعض السلف‏:‏ العرش من ياقوتة حمراء‏.‏

ولهذا قال هاهنا‏:‏ ‏{‏وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ يعني‏:‏ الكبير‏:‏ وقال في آخر السورة‏:‏ ‏{‏رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏}‏ أي‏:‏ الحسن البهي‏.‏ فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو، والحسن الباهر؛ ولهذا قال من قال‏:‏ إنه من ياقوتة حمراء‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه، في عبادتكم معه غيره وإشراككم به‏؟‏

قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب ‏"‏التفكر والاعتبار‏"‏‏:‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن لها يرعى غنما، فقال لها ابنها‏:‏ يا أماه، من خلقك‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلق أبي‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلقني‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلق السماء‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلق الأرض‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلق الجبل‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فمن خلق هذه الغنم‏؟‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فإني أسمع لله شأنا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يحدثنا هذا الحديث‏.‏

قال عبد الله بن دينار‏:‏ كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا الحديث‏.‏

قلت‏:‏ في إسناده عبد الله بن جعفر المديني، والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم‏.‏

‏{‏قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ‏}‏ أي‏:‏ بيده الملك، ‏{‏مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 56‏]‏، أي‏:‏ متصرف فيها‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لا والذي نفسي بيده‏"‏، وكان إذا اجتهد في اليمين قال ‏:‏ ‏"‏لا ومقلب القلوب‏"‏، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، ‏{‏وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا، لا يُخْفَر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه، لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقال الله‏:‏ ‏{‏لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 23‏]‏، أي‏:‏ لا يسئل عما يفعل؛ لعظمته وكبريائه، وقهره وغلبته، وعزته وحكمته، والخلق كلهم يُسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 92، 93‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه، هو الله تعالى، وحده لا شريك له ‏{‏قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ‏}‏، وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك، ‏{‏وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ أي‏:‏ في عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏، فالمشركون لا يفعلون ذلك ‏[‏عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك‏]‏ اتباعا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 23‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91 - 92‏]‏

‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏

ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك، فقال‏:‏ ‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ أي‏:‏ لو قُدِّر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما يخلق، فما كان ينتظم الوجود‏.‏ والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض، في غاية الكمال، ‏{‏مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 3‏]‏ ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض‏.‏ والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم وأراد الآخر سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد‏.‏ وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنًا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ أي‏:‏ عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا‏.‏

‏{‏عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ‏}‏ أي‏:‏ يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، ‏{‏فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ أي‏:‏ تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل ‏[‏عما يقول الظالمون والجاحدون‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93 - 98‏]‏

‏{‏قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏}‏

يقول تعالى آمرًا ‏[‏نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم‏]‏ أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ إن عاقبتهم -وإني شاهدُ ذلك- فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي -وصححه-‏:‏ ‏"‏وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحن‏.‏

ثم قال مرشدًا له إلى التِّرْياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال‏:‏ ‏{‏ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ‏}‏، وهذا كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‏.‏ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 34، 35‏]‏‏:‏ أي ما يلهم هذه الوصية أو الخصلة أو الصفة ‏{‏إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا‏}‏ أي‏:‏ على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح، ‏{‏وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا والآخرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ‏}‏‏:‏ أمره أن يستعيذ من الشياطين، لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف‏.‏

وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"‏أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏}‏ أي‏:‏ في شيء من أمري؛ ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور -وذلك مطردة للشياطين -عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"‏اللهم إني أعوذ بك من الهَرَم، وأعوذ بك من الهَدْم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت‏"‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم، من الفزع‏:‏ ‏"‏بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون‏"‏ قال‏:‏ فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها، كتبها له، فعلقها في عنقه‏.‏

ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي‏:‏ حسن غريب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99 - 100‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏

يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ‏.‏ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 10، 11‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏44‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 53‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 12‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏.‏ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 27، 28‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏44‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏11، 12‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 37‏]‏، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة، فلا يجابون، عند الاحتضار، ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم في غمرات عذاب الجحيم‏.‏

وقوله‏:‏ هاهنا‏:‏ ‏{‏كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا‏}‏‏:‏ كلا حرف ردع وزجر، أي‏:‏ لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا‏}‏‏:‏ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم‏.‏

ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله‏:‏ ‏"‏كلا‏"‏، أي‏:‏ لأنها كلمة، أي‏:‏ سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه، وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحا، ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ‏}‏ قال‏:‏ فيقول الجبار‏:‏ ‏{‏كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا‏}‏‏.‏

وقال عمر بن عبد الله مولى غُفْرَة‏:‏ إذا سمعت الله يقول‏:‏ ‏{‏كَلا‏}‏ فإنما يقول‏:‏ كذب‏.‏

وقال قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ‏}‏‏:‏ قال‏:‏ كان العلاء بن زياد يقول‏:‏ لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله عز وجل‏.‏

وقال قتادة‏:‏ والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله‏.‏ وعن محمد بن كعب القرظي نحوه‏.‏

وقال محمد بن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل -يعني‏:‏ ابن عياض- عن لَيْث، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ إذا وضع -يعني‏:‏ الكافر- في قبره، فيرى مقعده من النار‏.‏ قال‏:‏ فيقول‏:‏ رب، ارجعون أتوب وأعمل صالحا‏.‏ قال‏:‏ فيقال‏:‏ قد عُمِّرت ما كنت مُعَمَّرا‏.‏ قال‏:‏ فيضيق عليه قبره، قال‏:‏ فهو كالمنهوش، ينام ويفزع، تهوي إليه هَوَامّ الأرض وحياتها وعقاربها‏.‏

وقال أيضا‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا علي بن زيد ‏.‏ عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، أنها قالت‏:‏ ويل لأهل المعاصي من أهل القبور‏!‏‏!‏ تدخل عليهم في قبورهم حيات سود -أو‏:‏ دُهُم- حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ أمامهم‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ البرزخ‏:‏ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة‏.‏

وقال محمد بن كعب‏:‏ البرزخ‏:‏ ما بين الدنيا والآخرة‏.‏ ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم‏.‏

وقال أبو صخر‏:‏ البرزخ‏:‏ المقابر، لا هم في الدنيا، ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم

يبعثون‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ‏}‏‏:‏ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال‏:‏ ‏{‏مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 10‏]‏ وقال ‏{‏وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ أي‏:‏ يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏فلا يزال معذبا فيها‏"‏، أي‏:‏ في الأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101 - 104‏]‏

‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ‏}‏

يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور، ‏{‏فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا‏.‏ يُبَصَّرُونَهُمْ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 10، 11‏]‏ أي‏:‏ لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه -كان- في الدنيا، ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ‏.‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ‏.‏ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ‏.‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 34-37‏]‏‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد‏:‏ ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه‏:‏ قال‏:‏ فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا‏;‏ ومصداق ذلك في كتاب الله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ‏}‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم- حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة، عن عُبَيْد الله بن أبي رافع، عن المِسْوَر -هو ابن مَخْرَمَة- رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فاطمة بَضْعَةٌ مني، يَقْبِضُني ما يقبضها، ويَبْسُطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري‏"‏‏.‏

هذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها‏"‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر‏:‏ ‏"‏ما بال رجال يقولون‏:‏ إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه‏؟‏ بلى، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني -أيها الناس- فرط لكم، إذا جئتم‏"‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، ‏[‏وقال أخوه‏:‏ أنا فلان ابن فلان‏]‏ فأقول لهم‏:‏ ‏"‏أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقري‏"‏‏.‏

وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه، رضي الله عنه‏:‏ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، قال‏:‏ أما -والله- ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏كل سبَبٍ ونَسب فإنه منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي‏"‏‏.‏ رواه الطبراني، والبزار والهيثم بن كليب، والبيهقي، والحافظ الضياء في ‏"‏المختارة‏"‏ وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفا؛ إعظاما وإكراما، رضي الله عنه؛ فقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع -زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- من طريق أبي القاسم البغوي‏:‏ حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد ابن عباد بن جعفر، سمعت ابن عمر يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري‏"‏ ‏.‏ وروي فيها من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا‏:‏ ‏"‏سألت ربي عز وجل ألا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم، إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك‏"‏‏.‏ ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل، عن عبد الله بن عمرو‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ أي‏:‏ من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ أي‏:‏ الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا‏.‏

‏{‏وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ‏}‏ أي‏:‏ ثقلت سيئاته على حسناته، ‏{‏فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ خابوا وهلكوا، وباؤوا بالصفقة الخاسرة‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المُحَبَّر، حدثنا صالح المُرِّيّ، عن ثابت البُناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال‏:‏ ‏"‏إن لله ملكا موكلا بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق‏:‏ سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق‏:‏ شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا‏"‏‏.‏ إسناده ضعيف، فإن داود بن المُحَبَّر متروك‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏"‏في جهنم خالدون‏"‏ أي‏:‏ ماكثون، دائمون مقيمون لا يظعنون‏.‏

‏{‏تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏، وقال ‏{‏لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 39‏]‏‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا فَرْوَة بن أبي المغراء ، حدثنا محمد بن سلمان الأصبهاني، عن أبي سِنَان ضِرَار بن مُرَّة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن جهنم لما سيق ‏[‏إليها‏]‏ أهلها يلقاهم لهبها، ثم تلفحهم لفحة، فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب‏"‏‏.‏

وقال ابن مردويه‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى الفَزَّاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القَطَّان، حدثنا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏تلفحهم لفحة، فتسيل لحومهم على أعقابهم‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ‏}‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ يعني عابسون‏.‏

وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ‏}‏ قال‏:‏ ألم تر إلى الرأس المُشَيَّط الذي قد بدا أسنانه وقَلَصت شفتاه‏.‏

وقال الإمام أحمد، رحمه الله‏:‏ أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك، رحمه

الله- أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ‏}‏، قال‏:‏ ‏"‏تَشْويه النار فَتَقَلَّصُ شفته العليا حتى تبلغ وَسَطَ رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تَضْرب سُرَّته‏"‏‏.‏

ورواه الترمذي، عن سُوَيْد بن نصر عن عبد الله بن المبارك، به وقال‏:‏ حسن غريب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105 - 107‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ‏}‏‏.‏

هذا تقريع من الله تعالى لأهل النار، وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم، التي أوبقتهم في ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ‏}‏ أي‏:‏ قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت الكتب، وأزلت شُبَهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها كما قال‏:‏ ‏{‏لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 165‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ‏.‏ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ‏.‏ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏.‏ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 8-11‏]‏، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ‏}‏ أي‏:‏ قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فَضَلَلْنَا عنها ولم نُرْزَقْهَا‏.‏ ثم قالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ رُدَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا‏:‏ ‏{‏فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ‏.‏ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 11، 12‏]‏ أي‏:‏ لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108 - 111‏]‏

‏{‏قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏‏.‏

هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار، يقول‏:‏ ‏{‏اخْسَئُوا فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء‏.‏ ‏{‏وَلا تُكَلِّمُونِ‏}‏ أي‏:‏ لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي‏.‏قال العَوْفِي، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ‏}‏ قال‏:‏ هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم‏:‏ إنكم ماكثون‏.‏ قال‏:‏ هانت دعوتهم -والله -على مالك ورب مالك‏.‏ ثم يدعون ربهم فيقولون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ‏.‏ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ‏}‏ قال‏:‏ فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم‏:‏ ‏{‏اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ‏}‏ قال‏:‏ والله ما نَبَس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم‏.‏ قال‏:‏ فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق‏.‏

وقال أيضا‏:‏ حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، حدثنا أبو الزَّعْرَاء قال‏:‏ قال عبد الله بن مسعود‏:‏ إذا أراد الله ألا يخرج منهم أحدًا -يعني‏:‏ من جهنم- غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول‏:‏ يا رب‏.‏ فيقول‏:‏ من عرف أحدًا فليخرجه‏.‏ فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول‏:‏ أنا فلان‏.‏ فيقول‏:‏ ما أعرفك‏.‏

، قال‏:‏ فعند ذلك يقول‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ‏}‏، فعند ذلك يقول‏:‏ ‏{‏اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ‏}‏‏.‏ وإذا قال ذلك، أطبقت عليهم فلا يخرج منهم بَشَر‏.‏

ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا‏}‏ أي‏:‏ فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ، ‏{‏حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي‏}‏ أي‏:‏ حملكم بغضهم على أن نَسِيتم معاملتي ‏{‏وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ‏}‏ أي‏:‏ من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 29، 30‏]‏ أي‏:‏ يلمزونهم استهزاء‏.‏

ثم أخبر عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا‏}‏ أي‏:‏ على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، ‏{‏أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ أي‏:‏ جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين من النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112 - 116‏]‏

‏{‏قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏}‏

يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صَبَروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون، ‏{‏قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ كم كانت إقامتكم في الدنيا‏؟‏ ‏{‏قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ‏}‏ أي‏:‏ الحاسبين

‏{‏قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا‏}‏ أي‏:‏ مدة يسيرة على كل تقدير ‏{‏لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التصرف السّيئ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته -كما فعل المؤمنون- لفزتم كما فازوا‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوَزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكَلاعي؛ أنه سمعه يخطب الناس فقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال‏:‏ يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين‏؟‏ قالوا‏:‏ لبثنا يوما أو بعض يوم‏.‏ قال‏:‏ لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم‏:‏ رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين‏؟‏ ثم يقول‏:‏ يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين‏؟‏ قالوا‏:‏ لبثنا يومًا أو بعض يوم‏.‏ فيقول‏:‏ بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم‏:‏ ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا‏}‏ أي‏:‏ أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، ‏{‏وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 36‏]‏، يعني هملا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ‏}‏ أي‏:‏ تقدَّس أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، ‏{‏لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏}‏، فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي‏:‏ حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 10‏]‏‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسيّ، حدثنا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق- أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال‏:‏ كان آخر خطبة خطب عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أما بعد، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر مَن خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردون إلى خير الوارثين‏؟‏ ثم إنكم في كل يوم تُشَيّعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صَدْع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مُرْتَهَن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم‏.‏ فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا يحيى بن نصر الخَوْلاني، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني ابن لَهِيعَة، عن أبي هُبَيْرَةَ عن حَنَش بن عبد الله؛ أن رجلا مصابًا مرَّ به عبد الله بن مسعود، فقرأ في أذنه هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ‏}‏، حتى ختم السورة فَبَرَأ، ‏[‏فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏]‏، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بماذا قرأت في أذنه‏؟‏‏"‏ فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏والذي نفسي بيده، لو أن رجلا مُوقنا قرأها على جَبَل لزال‏"‏‏.‏

وروى أبو نُعَيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرَِّية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا‏:‏ ‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ‏}‏، قال‏:‏ فقرأناها فغنمنا وسلمنا‏.‏

وقال ابن أبي حاتم أيضا‏:‏ حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المُسَيَّب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن خُنَيْس ، عن نَهْشَل بن سعيد، عن الضحّاك بن مُزَاحِم، عن عبد الله بن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن‏:‏ بسم الله الملك الحق، ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 67‏]‏، ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117 - 118‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏}‏

يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره، وعَبَدَ معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله ‏{‏لا بُرْهَانَ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ لا دليل له على قوله -فقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ‏}‏، وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‏}‏ أي‏:‏ الله يحاسبه على ذلك‏.‏

ثم أخبر‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لديه يوم القيامة، لا فلاح لهم ولا نجاة‏.‏

قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل‏:‏ ‏"‏ما تعبد‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ أعبد الله، وكذا وكذا- حتى عدّ أصناما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فأيّهم إذا أصابك ضُرٌّ فدعوتَه، كشفه عنك‏؟‏‏"‏‏.‏ قال‏:‏ الله عز وجل‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏‏"‏فأيّهم إذا كانت لك حاجة فدعوتَه أعطاكها‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ الله عز وجل‏.‏ قال‏]‏ ‏:‏ ‏"‏فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ أردت شكره بعبادة هؤلاء معه أم حسبت أن يغلب عليه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تعلمون ولا يعلمون‏"‏ قال الرجل بعد ما أسلم‏:‏ لقيت رجلا خصمني‏.‏ هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا عن عمران بن الحُصَيْن، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏}‏ هذا إرشاد من الله إلى هذا الدعاء، فالغَفْرُ -إذا أطلِق- معناه محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها‏:‏ أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال‏.‏ آخر تفسير سورة المؤمنون‏.‏